مقتطفات و ازهار من شعر أمينة العدوان

جريدة الفيصلي

مقتطفات و أزهار من شعر أمينة العدوان
أشعار  يتلاقى فيها الهم القومي بالهم الشخصي

أي وجد يحاصر الكلام، و نحن نتقدم (بمحاولة الكتابة) عن أمينة العدوان ، تلك القامة الادبية السامقة، تلك الذائقة الابداعية (الاستثنائية) حيث الصيغ العالية من الفن، و قدرة البيان، و براعة الاسلوب، حيث المعاني العميق و مبانيها الشعرية الانيقة.

اننا أمام شاعرة و أديبة تعتبر امتدادا في كثير من ابداعاتها لجيل العمالقة في الادب

هل نبدأ من (الشعر و الصفصاف) حين ينحني لأصدق الشاعرات ـ عندما تمتزج (قصائدها) بالدم و الوعد و الحزن النبيل
و عندما تشعل قناديل الرفض لتعلن مجد لايام الشهداء و تصعد (القدس) خالدة في شعرها و فكرها ، بل و عشقها الابدي

اننا نتقدم بالكتابة عن امينة العدوان عن الجراح و الزيتون و القنابل و الحجارة و السنابل، حين اذ تتقدم الكتابة الى الافق الارجواني لتكون صادقة مثل (صبر الامهات)

تغني للتراب المعطر بالندى ، و للحجارة المضمخة بالدم و التحدي و السنابل التي تحنو على الشهداء و الاطفال ، للفتية الذين يقاتلون كي يردوا عتمة الليل العنصري الذي طال ، لتتمنى أن ترى مواكب الحرية مشتعلة بنار الصبر العظيم و الطويل و تصف لنا ان هذه المواكب لم تهدأ فيها السيوف و الحجارة عن الصليل ، و لا خبا في (الروح و الخيل) رائع الصهيل

و تطل علينا (امينة) تحمل شعرا من دروب الانتظار الطويل، لتستانف (روح العراق) العظيم ، لتقرأ لنا كتب الذين وقفوا ضد الحصار و الظلم الكظيم

تغني لاحلى وطن ، للأردن و أهله و خيره لينهض لنا جميلا معطرا بكلمات صادقة اريجه الانتماء و عطرها القومية العربية ، و بهذه الصور تتكلم قصيدة (أمينة العدوان) التي تعطي للكلمات بهاءها و معناها ـ لتعلن دعوة مفتوحة لعشاق التحدي نحو التحديق في الذات و قد تبدو الكلمات قليلة و الدلالات (كلمات و برقيات نثرية) يأسرها الهم العربي و القومي تبشر بزمان جديد من عنفوان و جمر و حجر و جراح و خناجر مزروعة في الارض قبل زمان الزيتون ، بزمان !

اننا اذ نحاول الحديث عن أمينة ، و نحن نفتح دفاترها العربية و الجميلة ، بل نفتح ذاكرة الكتابة للعروبة و الانسانية ، لنبعث تساؤل يخرج من جملة الابداعات، من اين نبدا الكلام عن امينة!

هل نبدأ من قامة العربي، و هو يقف (امام الحاجز) لتبدو لنا انها اعلى من كل الحواجز الوهمية التضليلية التي صنعها الخونة و العملاء !!
ام  نبدأ من محدودات بلا حدود ام عندما يزيد وزن القومية رغم (فقدان الوزن) ، ام الانتصار للحياة في (من يموت)، ام من عند الجرح العربي و الابطال الذين يدافعون عن الكرامة المستباحة للتلوا (قصائد عن الانتفاضة)  ام عندما يكون الحكم القطعي غير القابل للنقض و لا الاستئاف في احكام الاعدام ، ام نقف نرفض اليأس على مشارف (غرف التعميد المعدنية) ام نردد خلف الشاعر العرب:

يا خازن الدمع ها قد جاء موعده
اخلق الدمع هذا اليوم ينسكب
لمن يصان الدمع و صنو القلب مضطجع
بين الصفائح تحشى فوقه الترب

لنعلن مشوار الحزن النبيل و ندعو الدمع ان يكون بعد ذلك سخيا و نحن نقرأ (اخي مصطفى) ذلك الكتاب الذي يبدو وادعا ن و لا بأس في ذلك، فقد أحرق مصطفى ما تبقى من الأيام ، و علمها السفر ، انه لن يلقاها حين تعود ، (لن يلقاها) !
اننا اذ نتريث برهات مفعمة بالصبر و الحزن الفائقين على (اخي مصطفى) لندرك ان في لغة هذه الصفحات حزنا هائلا حيث كتبتها أمينة العدوان و هي تحدق في المراثي السبع المسهورة في (جمهرة اشعار العرب) و تصر على ان تذيع (على الناس) احزانها عن اخيها ، ففيهم من هم مثلها في (الفجيعة و الاسى) ، و  تنكأ جراحا قد تكون هادئة ، لكن حزنها تحت الرماد

اذا فنحن امام صفحات تحوم في فضائها اسراب من الاحزان و الاسى ، و قد حررت هذه الصفحات من كثير من (حقول الدمع) و الاستغراق التام في الحزن على (فارس الروح) مصطفى

الخنـــســــــاء و أمــــينــــة :-
الاحزان اذ تتلاقى

ان احزان امينة العدوان على شقيقها (مصطفى) قد قادتني من حيث لا ادري الى احزان (الخنساء)على شقيقها صخر.
و مصطفى ، (شيخ القبيلة) و كذلك كان صخر ، و كلاهما مات (اخضر يانعا) و ترجل هذان الفارسان عن فرس الحياة مبكرا و قبل الأوان

من هي الخــنــــســــــــاء؟

هي تماضر بنت عمرو بن الحراث بن الشريد، و اجمع الشعراء و رواة الشعر القدماء على انه لم تكن امراة قبلها و لا بعدها اشعر منها في الرثاء

توفي اخوها صخر فحزنت عليه حزنا شديدا حيث كان الأحب اليها لما كان عليه من (الحلم و الجود) و التقدم على عشيرته ، و الشجاعة ، و جمال الوجه ، (ففتق الحزن) اكمام شاعريتها ، فنطقت بشعر هو آهات  نفس لائعة و نفثات صدر متألم حزنا ، و دموع قلب جريح ، فوصفت حزنها ، و مناقب أخيهافي شعر محبب الى القلوب بما فيه من عاطفة صادقة ملتهبة  اللوعة ، و بما فيه من عاطفة صادقة ملتهبة اللوعة ، و بما فيه من (وفاء اخوي صحيح) و تقول انها اعظم العرب مصيبة.

الــرثـــاء :-
الرثاء من فنون الشعر الجميلة الذي يجمع روعة الخيال و عمق العاطفة ومرارة المشاعر ، مضافا اليها (جمال الحقيقة)  وصدق الواقع الذي تعكسه تلك (الاخيلة الرثائية) الرائعة . و هي لا تخرج عن حالات الاسترخاء و الدعة و الراحة و انما انبجست من مجاهد الحياة و احداثها و الاقدار المؤلمة، و الرثاء باعتباره بكاء للموتى مع تابينهم بذكر محامدهم يمثل اصدق المشاعر الانسانية و هي تواجه اقس ضربات الدهر حين تفارق اعز الناس اليها ، و حتما تستخدم القيم المدحية ذاتها في صفة (المرثي) مثل : المروءة ، المهابة، الشهامة، السيادة ، النجدة ، الكرم ، الفروسية ، الرياضة ، … الخ

مقاربة في شعر الحزن بين أمينة و الخنسـاء :-

ان شعر أمينة العدوان هو فن من فنون الشعرالحرو هو بمثابة نوع خاص مختزل يقارب البرقيات الشعرية بعيدا عن التقليدية في الشعر (الايقاع و القافية) بينما الخنساء تخر الرثاء و المأساة منكفئة وراء القصيدة التقليدية و الشعر المقفى. وقد كانت الخنساءتعتمد على البكائية في الرثاء، و يشتم من شعرها مبدأ عدم القبول و التسليم بحقيقةة الموت ، لا بل و الثورة عليه و رفضه.

أما امينة العدون فانها تنطلق من حزنها على مصطفى من مبدأ التسليم بقضاء الله و قدرهو الايمان المطلق بمشيئة الله بان كل نفس ذائقة الموت، و لكن إن للفراق للوعة لا تقوى النفس على كبتها و خاصة اذا كان الموت يخطف اغلى الغوالي و سيد الاحباب (كمصطفى) :

في النهار امي تتكلم عنه،
تفكر، تبكي
في المساء امي
لكي لا تتكلم عنه، لا تفكر ، لا تبكي
تقرأ آية وراء آية
وتتلو له الآن سورة الحمد

هذا الايمان المطلق يتجلى في شعر أمينة ، و هذه الخنساء تبكي أخاها صخرا:-
يا عين مالك لا تبكين سكابا
اذا راب دهر ، و كان الدهر ريابا
هو الفتى الكامل الحامي حقيقته
مأوى الضريك ، اذا ما جاء منتابا

و يستمر وقع الحزن المتردد في قلب امينة العدون صداحا بالالم و النشيج و الفزع من الموت:
ذلك الزائر ، قرع الجرس، فتح الباب
سريره لن يرقد فيه، بيته لن يعود اليه
قال بعد ان داسني بقدمه
و أخذه و رحل
“ضيف أنت”
لا مالك ، و لا مستأجر
هنا سيرقد ، و هناك سترقد
و بيت من التراب
عنواني

و هذه الخنساء تحث العين بأن لا تكون بخيله في ذرفها الدموع على صخر:
يا عين جودي بدمع غير منزور
مثل الجمان على الخدين محدور
و أبكي أخا كان محمودا شمائله
مثل الهلال منيرا غير مغمور

و هذه أمينة تخاطب “العشيرة” بأن  فارسها و غيثها و شيخها قد مات :
الشيخ مات ، و بكاء ، و بكاء ، و بكاء
ويغطيه حب الناس ، و الأرض
عباءة ، عباءات
و الان
ان لم يأت أحد منكم بوجه يشبه وجهه
(فسوف تطوى العباءات)

و كذلك ترثي الخنساء حصن العشيرة (صخرا):
قد كنت حصنا للعشيرة كلها
و خطيبها عند الهمام الاصيد

و هالحزن يصبح عظيما على قبر مصطفى:
أمي على قبر مصطفى
و أكاليل غار و ا أوراق نخيل
و تراب ، و حجارة
و تابوت فارغ ملقى غطاؤه ، و ابريق ماء
و حفيف اشجار الزيتون
تنحني على التراب ، تقترب:
مصطفى…مصطفى

كذلك فإن الخنساء تقف على قبر صخر و تجسد حزنها و لهفتها و لهفة امها عليه:
يؤرقني التذكر حين أمسي
فأصبح قد بليت بفرط نكسي
على صخر ، و اي فتى كصخر
ليوم كريهة و طعان حلسي
فيا لهفي عليه و لهف أمي

و هذه أمينة ، تصور النبأ الحزين برحيل (النجم و الجرح) مصطفى بأنه زلزال:
الذي اطمئن الي ، الذي كان يناديني
ان اقيم هنا ، و لا اغادر هذا المكان
لم يعد هنا الآن

اما الخنساء فتقول عن نبأ رحيل صخر:
لقد صوت الناعي بفقد أخي الندى
نداء لعمري لا أبالك يسمع
فقمت و قد كادت لروعة هلكه
و فزعته نفسي من الحزن تتبع

نقف الى هنا في هذه المقاربة البسيطة ، لنقول ان ابداعات أمينة العدوان قد تجلت و هي ترثي (فارس الروح) مصطفى ، حيث استطاعت الأديبة أمينة تحويل دموعها و لوعتها الى خيال جميل و لفظ عذب شجي يترك في نفس سامعه اثرا عميقا و صادقا و يبدو ان هذا الصدق في المشاعر هو الذي جعل الرثاء أشرف و اجمل أشعار العرب .

و أخيرا فانني أجزم للأحبة القراء بأن كتابا اخر سيصدر للأديبة امينة العدوان سيكون عنوانه و اول صفحاته و منتهاه (مصطفى) عليه رحمة الله ،  و قد يكون السجل المصور للمرحوم

قرآن كريم:
(وبشر المخبتين الذين اذا ذكر الله وجلت قلوبهم و الصابرين على ما أصابهم) صدق الله العظيم