شعر امينة العدوان مسار خارج المألوف و التقليدية الراكدة

ستار موزان - ناقد عراقي

          ” سنوات أحاربه

 و ما أنا إلا وطني

 كلما أراد أن يهرب به

امسكه من يده “

 عند ناصية هذه التوليفة الشعرية تختزل مخيلة الشاعرة أمينة العدوان لتؤسس في
نواة القصيدة فكرة التجديد الشعري المنوط بعناصر أكثر اثارة، لكن متشكلة حول
مدار القصيدة الحديثة التي تكتنز بانثياب التدفق الشعري المرسل عبر شبكة التآلف
ما بين الضغط الاستعاري و الرمز المبوب في مسار شعر أمينة العدوان، و لكي
نؤكد فكرة الانطباق و التحديث فبما كان سائداً و ما سيؤول عن الاثارة التي
أشرنا اليها فلنأخذ ما تقول في قصيدتها التي حملت عنوان (القدس) :-

لأن القدس مدينتي

 رسمتها كثيراً

 ضوءاً ضوءاً

 بكيت كثيراً

 و انا أرى الضوء

 الذي رسمته على جدرانها

 على أدراجها

 على أسوارها العالية

 يتضاءل

 فيم يأتي و يحجب الضوء

 أصبحت لوحتي

 المعتقلون

 سنوات

 و سنوات

 خلف القصبان

 و طريقهم آلاف العائدين “

 ان الأفلات من المباشرة في قصائد أمينة العدوان و التمركز في بؤر الترميز
الشعري و الحيازة على أدوات و أساليب شعرية متجددة و سلسة في الوقت ذاته
جعل الشاعرة تحرز تقدما هائلا في الاستحواذ على سكة شعرية خاصة بها بحيث
لا يمكن لأي قطار من المفردات ان يمضي فوقها ما لم يقترن عنوانه الأدبي بذات الأسلوب و كان ذلك واضحاً من خلال قصائدها الأخيرة التي صورت فيها انتفاضة الشعب العربي الفلسطيني و هو يقاوم الاحتلال الصهيوني، و المتتبع للقصائد الشعرية النثرية تحديداً التي كتبت في زمن الانتفاضة العظيمة سيجد فضاءاتها، لكن الشاعرة أمينة العدوان استطاعت ان تستحوذ على مناخ خاص بها عبر شعريتها المتميزة التي تأسست عبر محاور يبدو انها تمفصلت خلال حرق مراحل البحث و الاستقصاء و التوجس لما هو كان مؤثؤا عليها إذ هي تخلصت في أدق قصائدها عن كل ما هو له علاقة قديمة بالأدب المقاوم المتعارف عليه حيث التجديد على مستوى حدث الانتفاضة مر بجهاز عصبي شعري أخاذ و ها هو أنموذج آخر يدلل ما تحيله الشعرية عند أمينة العدوان :-

” رأيت البيوت حجرا حجرا

تتساقط

أصبحت هذه البيوت للغرباء

أرى السلاح الذي أحمله

اعاد آلاف السكان الى بيوتهم

و جعل المستوطن يرحل

و هو يفك بيته الجاهز

و يجر كرفان “

ان معظم قصائد أمينة العدوان القصائد التي خصصت لانتفاضة الشعب الفلسطيني داخل الأرض المحتلة جاءت لتميط اللثام عن شكل جديد في كتابة القصيدة الحديثة ذات الضربة السريعة الخاطفة التي تشع من خلال سرعتها مفردات بسيطة لكن تشكل فيما بعد صوراً و ايحاءات و شذرات تسترعي انتباه المتلقي و هو يجرف في رؤاه معنى المعنى و شكل الشكل و رمز الرمز و ترقب ما يحث عند ضربة القصيدة المتنوعة و الملتفة حول جدليات المعرفة في خضم الحدث و هنا لا بد من الاشارة الى ان القارئ او السامع سيظل في غاية التلهف ليقرأ شعرا خاليا من الحذلقة و التوجس المباشر و مؤثؤا عبر سلطته الشعرية على الخذ بعين الاعتبار فكرة التسليم للشعر المقاوم مع الاتيان بما هو جديد و مزهر.

ففي قصيدة (المعتقل في سجن المسكوبية) تقول الشاعرة العدوان:-

” مهما نامت الأرض

انني النهار

حين تراني

آت

تستيقظ”

أو في قصيدة (زوجة معتقل في سجن نفحة) تقول أمينة :-

“أرى المراة التي تحمل ابنها

و تسير

امام باب المعتقل

قد يكون لها أم أو أب أو زوج

لم تغادرها الاسوار

في هذا الشارع يراها المارة تسير

أكثر من الشرطي “

و لتكن الدلالات في شعر أمينة العدوان هي بمثابة فطنة استبدالية في ميعن المكان، فالمكان في ديمومة التفاضل و التكامل في شعرها هو السلم الأرقى التي تحاول الشاعرة ان تصوره في مجمل قصائدها و بدءا من القدس و انتهاء عند آخر قرية من قرى فلسطين حيث الرمز هو واحد ولو انه تنوع في الجذب و الاستقطاب عند حدوسها السائدة في النقائض و الفرائض، و لأن الدلالات الشعرية هنا سوف تمحو فيما بعد الزمن المفترض القادم من التأريخ الرافض هو الآخر الزمن و يؤول اليه المفترضون، ستقدم أمينة العدوان في دلالتها الشعرية لتغطي على كل ما هو مفترض و تفليه الى حقيقة مطلقة، ففي قصيدة (الثوب الفلسطيني) تؤسس ذات الفكرة و تعلو شعريا :-

“و ثوب بلادي

الذي كان يطويه

انه الآن

يخرج من الخزائن

و أنا ارتديه”

اذا نقطة الالتقاء و اللقاء في الدلالة الشعرية عند أمينة العدوان، استحضار لكل ما هو غائب و مغيب و هو أي الافتراض المنسوب للتأريخ المزيف سيحول دون أن يحقق ذاته لأنه في واقع الأمر لم يشكل نقطة على خارطة التكوين و بذلك تفوز الشعرية عند أمينة العدوان في قواسمها المنغلقة و المشتركة و المجتمعة في الوقت ذاته على مائدة النقطة “الدلالة” ففي قصيدة فلسطين تتأتى سرعة الضربة شعرا أو نثراً:-

” في هذا الاجتماع

وطنه الذي طالما

ألقاه

المحتل

الى الباب

يجلس

الآن

امامه

على الطاولة”

ان الشاعرة أمينة العدوان امضت في قصائدها التي تنتمي الى الانتفاضة لترسم خرائط واضحة لكن عبر سياقها الشعري و سكتها الخاصة بها و هي أي الشاعرة تستفز وجهة الاتجاه الاخر المضاد و أعني الضفة المجهولة في نقائض الحدث حيث تؤكد في قصيدة شهداء الاقصى على رمز رمز الارض و علاقتها بالدم الطاهر الذي يؤكد العلاقة ما بين الرمزين عبر رسمها للخرائط :-

” قبل أن يرحل عن أرضي

كانت الأرض

قد زارتها

كثير من الدماء”

أو في قصيدة أخرى تبدو تحمل نفس العنوان و تؤكد الشاعرة على ضرورة رسم الخرائط في النواة و الشكل و الانسان عبر ديمومتها الشعرية:-

” العلم يأبى

الا أن يرتديك

هكذا

يودعك الوطن”

ان التحريض هنا في قصائد أمينة العدوان لم يقع في فخ المباشرة بقدر ما وقع في البؤرة الشعرية التي خطتها خلال السكة الخاصة بها و هي بذلك كما قلت تخلصت من ارتداء الأقحام في مفردات التكالب على المعنى خلال الشكل التقليدي، الأمر الذي يدعونا الى الترقب و هي تحيل قصائدها الى ما هو تحريضي متشكل في بوتقة التحديث و التجديد و كما هو آيل للسقوط و أعني ما تقصده الشاعرة من طارئ على الأرض كما هو آيل للنمو و النهوض أو الرقي ثانية من تأريخي و متجذر في الفكر و الأرث و التراث حيث تؤشر الشاعرة على ذلك في :-

” الوطن العادي

يأتي اليهم

يرتدي القميص”

اذاً في قصيدة لم يتشكل في خضم معترك القصيدة التقليدية فيبدو كلما تجددة الانتفاضة في الوطن المحتل كلما تجددت القصيدة في الشكل و المعنى حيث نماذج من الشعر العربي الحديث تؤكد على  هذا المنحنى و خروجا عن المألوف و التقليدي يتخذ كثير من الشعراء المحدثين فكرة التآلف ما بين ارثي و فكري و ما بين ما هو معاصر و تحديثي، ما بين هو تركيبي و تجريبي و ما بين هو معرفي و تأريخي و أمني.

هنا القصائد التي تخص الانتفاضة في الأرض المحتلة و الشاعرة أمينة العدوان واحدة من الشعراء الذين رسموا بقصائدهم هذا المدى أو المنحنى الشعري و على هذا الأساس جاءت هنا القصيدة التحريضية متشكلة بشكل و رمز و مهنى مغاير لما هو كان تقليدي و سائد حيث الضربة السريعة و الومضة الشعرية هي الهيكل الأول التي استقرت عليها القصيدة المحدثة.

أستطيع القول أن الشعرية في قصائد أمينة العدوان شكلت معنى من طراز خاص حيث بدت جميع قصائدها متقاطعة في نقطة الارتقاء و اللقاء لتدلق علينا معرفة و تأريخية متوهجة و مشعة في ذلك الصراع المرير ما بين الانسان الأول الذي يمثل الخير و السلام و الانسان الثاني الذي جاء ليفسد بهذه الأرض و لا نعرف من أين جاء.