“قهوة مرة” لأمينة العدوان

بقلم الدكتور مصطفى الفار

         تحتل أمينة العدوان في خارطة الشعر الأردني الحديث موقعاً متميزاً من شعر المرأة كما تحتل هذا الموقع في الدراسات الأدبية و النقدية، على الصعيدين الأردني و الوطن العربي بعامة، ففي حين صدرت لها المجموعات الشعرية التالية : وطن بلا أسوار، و أمام الحاجز، و غرف التعميد المعدنية، و فقدان الوزن، و من يموت ، و أحكام الإعدام، و أخي مصطفى ، و قصائد عن الانتفاضة الفلسطينية في ثلاث مجموعات سبقت مجموعتها الشعرية الأخيرة “قهوة مرة” التي خصت فيها الانتفاضة الفلسطينية بمجموعة من القصائد ذات المضامين التي تؤكد التصاق الفلسطينيين بأرضهم، و رفضهم الاقتلاع من جذورهم و الحفاظ على شخصية الفلسطيني بكل ما ليدهم من عزم و تصميم.

و على الصعيد الأدبي و النقدي، فقد صدر لها الكتب التالية: محدودات بلا حدود ، و مقالات في الرواية العربية المعاصرة ، و قراءات نقدية ، حيث قدمت أمينة سجلاً حافلاً من إصداراتها النقدية الأردنية و العربية،و توقفت عند أبرز المحطات الإبداعية في مسيرة أعلام الأدب بما يجعلها بحق شاهدة على عصر النهضة الأدبية العربية بعامة ،و الأردنية بخاصة، مؤكدة على دور المرأة في هذه النهضة و في الالتزام برسالة الأدب ووقوفها إلى جانب الرجل في خندق النضال من أجل نحو أفضل ، و صورة مكتملة بما يحقق القدرة على الوجود و الممارسة و الفعل…

و في مجموعتها الشعرية الجديدة “قهوة مرة” تتابع أمينة العدوان خط بحثها الشعري، لرسم لغتها الشعرية داخل عناصر الواقع الأكثر ببساطة،و تستعين بالحدث لتحقق استدارات القصيدة، فتصبح القصيدة لحظة، و استجماعا للحظات متتالية ، يوحدها الحلم الواقعيـ و الاتكاء على قدرة الشاعرة في غسل لغتها اليومية و جعلها بيضاء عبر استدارات غنائية تحقق ترابط الحلم حتى ليبدو و كأنه قطعة من الحدث اليومي.

و تكشف لنا الشاعرة في قصيدة قهوة مرة عن تعلق واضح بالتراث، فتستمد عناصر التراث و قابلية الإصغاء إلى نبض الحياة، كواقعة معاشة في قلب الحاضر و إلى شرايينها الممتدة من الماضي إلى الحاضر و من الخاص إلى العام، مثل منظومة واحدة تقوم على الترابط و التكامل بين صورها و أحاسيسها ، فلا تجد من الماضي من المحتوى إلا الذكريات ، ذكريات الماضي التي أصبحت خواء بعد أن فقدت دلالاتها و مضامينها التراثية :-

أتفقد دلة القهوة

المرّة

فلا أجد

إلا الفنجان

أما شعر الانتفاضة فقد عبرت عنه أمينة في ست و عشرين قصيدة من المجموعة، و نرى في هذه القصائد امتدادا متجددا لمجموعاتها الثلاث السابقة التي حققتها لانتفاضة الأقصى، حيث تتكرر لنا صور الصمود للشعب الفلسطيني، و تتكرر أمامنا صور البطولة و التضحية ، و يبقى الصراع للخلاص من الاحتلال ، و يبقى الشهداء رمزا لميلاد فلسطين الحرة، فالشهيد الفلسطيني هو القلم الفلسطيني الذي يخفق في سماء فلسطين.

و بما أن الشعر مواز للتاريخ بشكل أو بآخر، فهو نتاج أبناء عصره، فطيف إذا كان الأمر متعلقاً بشلال من الدماء ، فانه سيورق و يزهر عنا قيد من الحرية و الكرامة على تربة الانتماء و التاريخ، و لقد ضمت أمينة للانتفاضة الفلسطينية نبضها لشعرها و حياة لقصائدها و خلودا لإبداعها، فعبرت عن استنهاض الهمم استنكارا للخنوع، و عبرت عن الشهادة بأبهى صورها و اجمل حالاتها، و حملت كثيرا من قصائدها لون الدم القاني الذي صنع الحلم العربي بكبرياء و فخار ، و رسمت على لوحات ألفاظها قوافل من النخوات الهادرة ، يصوغها الشباب الفلسطيني، باقتحام مثير لحبل الظلم و العدوان، كأنهم يهبون لوطن وروده الحمراء، و الشعر إذا لم يعبر عن هذه الحالات فكيف سيورق خلود تحت شمع الحرية؟

تقول في قصيدة انتفاضة الأقصى و المقاومة الفلسطينية:-

قمصانهم أسلاك شائكة

من يخلع عنهم هذه الآلام

لا أحد من المارة

يبالي

و هو يسير

و الأغصان تقطع

و الأشجار

لا تولي

الأدبار

و في قصيدة تحمل عنوان “نشرات الأخبار و انتفاضة الأقصى” تقول:-

عندما أرى نشرة الأخبار

أرى أكفانا تحاصرها الدبابات

و جنازات تفك الحصار

 

و في قصيدة أخرى عنوانها “انتفاضة الأقصى و الأمة العربية” :-

الكآبة

و انطفاء الوجه الذي أصابنا

أهو الحزن الذي لا حد له

على الأبطال الذين يقتلون

و إلى أين سيصل حزننا

و إلى متى هذا التدمير لكل شئ

و إلى أين يريدون أن يلقوا بنا

و متى ينتهي هذا القتل البربري

انهم مدانون

إن دروس الانتفاضة تضاف إلى التراث الكفاحي للشعب الفلسطيني، إن الإسرائيليين في حصارهم الذي فرضوه على الشعب الفلسطيني و في استخدامهم أساليب القمع و التصفية و التدمير قد زرعوا الحقد و الكراهية للأجيال القادمة ، كيف لا ، و هم يلقون الجرحى في الشوارع و يتركونهم ينزفون حتى الموت، و حين يدفن جيش الاحتلال مئات الجثث، و حين تهرس الدبابات البشر ، و حين تسقط أعمدة الكهرباء، و تفجر أنابيب المياه، فإن حلفاءهم يعدون ذلك دفاعا عن النفس، أما الذي يقاوم الاحتلال فهو إرهابي .

إن الاستيقاظ الجديد للفلسطيني هدفه حماية حلم العودة و الخلاص من الاحتلال، فهل يعد هذا الحلم إرهابيا و يطلق على القتلة و سفاكي الدماء مدافعين؟؟ انه التناقض و التحيز..

تقول أمينة في قصيدة عنوانها “إرهاب أم تحرير” :-

مقاومة أم إرهاب

كل يوم يناديني باسم

و غدا اسم آخر

و بعد غد لا أدري بماذا سيناديني

اسم لن

يكون اسمي

انه يأخذ كل يوم مني الهوية

تزدهي قصائد أمينة و تفتخر بالانتفاضة الفلسطينية، و بأبطالها الذين يتصدون للهجمة الصهيونية، و تؤكد أمينة عبر قصائدها على سلسلة الانتهاكات الإسرائيلية لحقوق الشعب الفلسطيني، وتصور عبر قصائدها المشاهد المأساوية التي سببها الاحتلال و تبرز في قصائدها المذابح التي ارتكبها الإسرائيليون بالشعب الفلسطيني و التي كبدته آلاف الشهداء و الجرحى ، فتقول :-

حواجز

أو نعوش

أو قبور

أصبح

لا يرى

إلا البيوت

لقد قدمت أمينة للحركة الشعرية عبر قصائد الانتفاضة النصرة و الانتماء للشعب الفلسطيني الشقيق التوأم، و ما زالت تشدو و تغرد بهذه القصائد التي تدل على الأصالة و النقاء و الكبرياء. و استطاعت إن تعبر بقلمها و شعرها ووعيها عن الحق في مقاومة الاحتلال، مذكرة الأمة العربية بأنه قد حان الوقت للخروج من هذا الصمت و التمرد على هذا الإيقاع لتعمل ذاكرتنا بطريقة على التصدي لهذه الهجمة ضد الشعب الفلسطيني، فليس المهم أن ننظم المراثي على المجازر التي تقترف، بل المهم أن نمنع حدوثها:-

الكآبة

و انطفاء الوجه الذي أصابنا

اهو الحزن الذي لا حد له

على الأبطال الذين يقتلون

و إلى أين سيصل حزننا

و إلى متى هذا التدمير لكل شئ

و إلى أين يريدون إن يلقوا بنا

و متى ينتهي هذا القتل البربري

انهم مدانون

المتفرجون

و لا يحملون

إلا

فواتير

غير مسددة

أما رأيها في العولمة، فهي عمل اقتحامي و هيمنة سياسية ، و ثقافية و اقتصادية ، و مفاهيم مغلوطة، و تخلي عن الكثير من أنماط السلوك و العادات.

تستخدم أمينة الكتابات للتعبير عن هذا الغزو الذي يسلب منا شخصيتنا العربية ليستبدل القهوة العربية المرة بمرادفات جديدة “نسكافيه” كناية عن تبديل القيم و التراث بأسماء و قيم أجنبية بعيدة عن تراثنا :-

ماذا تشرب

قهوة عربية

أو نسكافيه

وسوف

يشرب الفناجين

إن القصيدة عند أمينة تمثل سطحا من المشاعر تحمل في طياتها خصائص التوتر المأساوي الذي يأخذ طابع الحركة الشعرية المعاصرة. إنها محاولة لصياغة معادلة تأخذ المعنى المأساوي إضافة إلى التشبث بالحلم و الأمل في المستقبل المرتقب…